الإرهاب الديني وخطره على العالم: ديناميات الرمز والأسطورة وسوسيولوجيا التضحية
الإرهاب الديني وخطره على العالم: ديناميات الرمز والأسطورة وسوسيولوجيا التضحية
دراسات وتحليلات فكرية | قراءة سوسيولوجية نقدية
بقلم: أحمد الرمح (باحث وكاتب سوري)
بحث استقصائي يفكك تحولات العنف الأيديولوجي، تسييس المقدس، وآليات استدعاء الأساطير التاريخية في النزاعات المعاصرة.
اتخذت ظاهرة الإرهاب بتجلّياتها المعاصرة تحوّلات عدّة وتنوّعت طبيعة المنفّذين لعملياتها التي طالت مختلف أصقاع الأرض، لتجسّد مشهداً مرعباً من الإرهاب المقدّس الذي تقوده التناقضات الأيديولوجية وصراعات المصالح الدينية والسياسية، وتتضافر فيه جملة معقدة من ديناميات متشابكة بين المقدّس والرمز والأسطورة التي تزوّده بالطاقة والمشروعية، وتفعل فعلها في توليد العنف الديني في أكثر صوره تطرفاً، محوّلة الدين عن غايته الأساسية في ترسيخ القيم الإنسانية العليا للبشر، إلى أداة عنف تستمدّ وجودها من ممارسات عنفية عايشتها البشرية جمعاء ولها حواضنها الثقافية والمعرفية، والتي تفرّخ العنف وتولّد ظواهر النبذ والإقصاء، وممارسة القوة الخشنة في العلاقات الإنسانية.
الإرهاب الديني وارتباطه بالرمز الأسطوري
الإرهاب الأول وغريزة البقاء والتفوّق، وصلت في عصرنا إلى معارك إثبات الوجود التي تبنّاها أفراد للدفاع عن المقدّس الديني والاجتماعي، وتنظيمات إرهابية خلطت الدين بالسياسة محوّلة عناصرها لقنابل موقوتة تقودها فكرة التضحية بالنفس لأجل “المقدّس”، التي تحاكي طقوس الحضارات القديمة وفكرة القربان المقدّم لأجل الآلهة. فالتضحية بالنفس كانت جزءاً من الخضوع والطاعة الكلية، واتخذت أكثر تجلّياتها عنفاً في الجريمة الأولى بقتل هابيل لقابيل في صراعهما على الخيرات المادية وأفضلية القرابين برمزيتها الدينية، والتي أسّست لمراحل عنف تقودها “العقائد المقدّسة” وتُكسبها صفة المشروعية والقبول، كاستجابة فردية بأن يعمل الإنسان بما لديه من وسائل حسب ما تقتضيه الظروف والملابسات لإحقاق الحقّ حسب ما يراه.
فجميع الديانات الوثنية والتوحيدية حمل بعض أتباعها مسؤولية “الحقيقة المطلقة” والدفاع عنها، كجزء من إثبات الانتماء المقدّس الذي يحمل في باطنه دعوات العنف ضد الآخر، بعيداً عن مكارم الأخلاق أو المطلقات الإنسانية والأخلاقية والدينية. فما يحمله الفرد من رمزية (إرضاء الله) تحوّل إلى أداة يتوسل بها بعض المتدينين ثواباً أكبر من الله، بحيث لم يترك أمر العقاب والثواب لرب العالمين.
“ما يحمله الفرد من رمزية التقرّب وإرضاء الإله تحوّل إلى أداة تبريرية يتوسل بها المتطرفون لانتزاع سلطة الحساب والجزاء، محوّلين البشر إلى قرابين فوق مذابح أيديولوجية لا صلة لها بجوهر الأديان الأخلاقي.”
من التضحية إلى الأُضحية: الجذور التاريخية للاغتيال المنظّم
انتقل ارتباط التديّن بالتضحية بالنفس كنوع من الطاعة يتقرب بها الشخص إلى الله، إلى التضحية بالنفس والآخرين “الأُضحية” والتي تحاكي فكرة القربان المقدّس، وقد ارتبطت العمليات الانتحارية بهذه الأُضحية، وجرى استخدامها كعمل إرهابي منظّم منذ القدم. ففي سنة (66 – 73) قبل الميلاد، أثناء مناهضة اليهود للرومان، أنشأ “السيكارى” (أي الخنجر) نظاماً إرهابياً هو الأول من نوعه، وهم جماعة يهودية متطرّفة يتزعمها “ايليعيزر بن يائيير” تحصّنت في قلعة مسعدة “ماسادا”، واعتمدت أساليب غير معهودة في القتال، وارتكاب المجازر وأكثر عمليات “السيكارى” كانت ضد اليهود من القادة والشخصيات المرتبطين بكهنة المعبد الذين يشكّون في تعاونهم مع الرومان، أو من لا يتفق معهم في آرائهم. فكانوا يغتالونهم بخنجر صغير، بحسب ما ذكره المؤرخ “نخمان بن يهودا” في كتابه “أسطورة ماسادا والذاكرة الجماعية وخلق الأسطورة في إسرائيل”.
وتتابع الاغتيالات طريقها إلى المسيحية من رأس يوحنا المعمدان إلى صلب المسيح ومعاقبة تلامذته ومريديه بالقتل والحرق وقطع الرؤوس؛ تبدّلت الغايات وبقي الأساس في تصفية الخصوم ثابتاً.
أما إسلامياً فلم تكن العمليات الانتحارية جزءاً من مسيرة نشر الدعوة، ولم يجرِ استخدامها عبر التاريخ الإسلامي إلا في القرن الحادي عشر ميلادي، من قبل فرقة “الحشّاشين” وهي فرقة إسلامية “شيعية” تزعّمها “حسن الصبَّاح” واتخذ من قلعة “ألموت” حصناً له، واستخدم العمليات الانتحارية ضد السلاطين المحليين، ولعبت دوراً في تاريخ المنطقة ونُسجت حولها الخرافات والأساطير. فنعمة الفردوس والوعود بالمسرّات الخالدة كافية لتجعل الكثيرين يقفزون من فوق الأسوار ويدقّون أعناقهم لينالوا الجنّة المزيفة التي كان يمنحها شيخ الجبل.
فرقة الحشّاشين أعطت اسمها لفنّ القتل والاغتيال في اللغات الأوروبية الحديثة، فمنذ الحملات الصليبية (1096- 1291)، أثارت كلمة حشّاش (Assassin) اهتمام الغرب وأنعشت ظاهرة الاغتيال كسلاح سياسي، ليستأجر الأساقفة والأمراء القتلة للتخلص من خصومهم السياسيين والدينيين. ومع الحروب الدينية ارتفع الاغتيال إلى مستوى الواجب المقدّس، وجعلت منه الصراعات – دينية كانت أم سياسية – فضيلة لا جريمة.
العمليات الانتحارية وأدلجة السياسة
ذاع صيت العمليات الانتحارية أثناء الحرب العالمية الثانية وعرفت بعمليات “الكاميكازي اليابانية” عندما قام طيارون انتحاريون يابانيون بتفجير الأساطيل الأمريكية بطائراتهم، كما استعملت من قبل “نمور التاميل” الانفصاليين في سريلانكا، بالإضافة إلى فلسطين، لبنان والعراق، ثم انتشرت لتصبح جزءاً من مسيرة العنف المنظّم.
ورغم مخالفة فعل الانتحار لكافة الشرائع السماوية، إلا أن العمليات الانتحارية اتخذت العديد من المفاهيم السياسية والوطنية والقومية، ففي الصراع مع إسرائيل شكّلت العمليات الفدائية ضد الاحتلال نوعاً من المقاومة، وتم استخدامها من قبل حزب الله اللبناني خلال حرب 1982 مع إسرائيل، لتدخل منطقة الالتباس في إطلاق صفة العمليات “الاستشهادية” وإخضاعها لمفهوم أيديولوجي عقائدي يجعل معارضتها مخالفة للعقيدة، ما مهّد الطريق ليطغى فكر الإرهاب الديني ومنطق احتكار الصواب على إنتاج المزيد من القنابل البشرية التي تحوّلت سلاحاً فتاكاً في الحروب الدائرة بين المتصارعين على اختلاف مشاربهم، وتوسع مفهومها ليستخدمها التكفيريون ضدّ مخالفيهم حتى من المسلمين.
تحوّلت فكرة الانتحاريين في أنماط التديّن الأيديولوجي الشائع إلى ثقافة يجري اتباعها من قبل معظم التنظيمات السياسية الدينية، تتمظهر في إعطاء الأولوية للأيديولوجيا على حساب الإنسان، لتصل إلى التضحية بالحياة وقتل الآخرين، وأصبحت ركناً أساسياً في ترسانة المظاهر الإرهابية.
المقدّس وحرب الرموز: صدام الحضارات
شكّلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 مفصلاً تاريخياً من مفاصل العنف الديني، والعنف السياسي المضاد في حياة المجتمعات الإنسانية؛ فعلى أثر هذه الهجمات الدامية، صار “صدام الحضارات” عنواناً للعلاقة بين العالمين الإسلامي والغربي. واستعادت التنظيمات المتطرفة مخزون العلاقات المتوترة بين الشرق والغرب، منذ الحروب الصليبية إلى ما تلاها من الاستعمار القديم والحديث، لخلق الذرائع واستقطاب المهمّشين لخوض “حرب رمزية تضحوية” تقوم على الترويع والتأثير على معنويات الخصوم رمزياً، والتي قابلها إعلان الحرب على الإرهاب بشكلها الواسع، وفي كليهما كان لرمزية “المقدّس” أثره العميق.
فسقوط البرجين في أمريكا مثّل رمزاً لضرب الرأسمالية العالمية والقوة العظمى في أذهان الحركات الراديكالية، وهو ما تكرر في العمليات التي سعت لتحقيق نشوة دينية طهرية زائفة، حتى وإن كان الضحايا مئات من المدنيين الأبرياء. وفي الجهة المقابلة، لجأت الإدارة الأمريكية إلى حرب العراق 2003، محدّدة معالم السياسة الأمريكية في محاربة “محور الشر”، وهي استعارة لاهوتية انغرست في أذهان الكثيرين كمنظومة صراع مانوي بين الخير والشر، تلبس رداء الأيديولوجية وتأخذ بعداً دينياً وثقافياً وحضارياً بالغ الخطورة.
إرهاب معولم وارتدادات الاستقطاب المجتمعي
انتقال العنف إلى دائرته المعولمة وقدرته على تخطي الحدود الدولية، ساهم في تجذير الاستقطاب السياسي وخلط الأوراق. فاستعمال بعض التنظيمات للمقدّس بصورة مراوغة أكسبها مشروعية مشوهة في أذهان الحالمين باستعادة دور حضاري متخيل، واعتبار القوة والقتل الوسيلة الوحيدة للإنقاذ. وكان الرد المقابل شعار الحرب المفتوحة التي اكتسبت أبعاداً أيديولوجية، ولم تكتفِ بالوقوف ضد الجماعات العقائدية المتطرفة، بل تمددت لتغذي خطابات الكراهية و”الإسلاموفوبيا” في الغرب تحت لافتة الدفاع عن الثقافة والحضارة الغربية.
وقد دفع المهاجرون والمسلمون في المجتمعات الغربية الثمن الأكبر لاصطدامهم بمقدّس “اجتماعي وقومي” مضاد، وصل حدّ الهجمات الإرهابية على دور العبادة كما حدث في مجزرة مسجدي كرايستشيرش في نيوزيلندا، لتتحول “حروب المقدّسات” إلى تحدٍ إنساني وحضاري يهدد الأمن والسلم العالمي برمته.
خاتمة واستنتاجات فكرية
في المحصلة، ساهم العنف الديني المعاصر في ترسيخ رؤية إنسانية سوداوية، تتدفق فيها أشكال “المقدّس الزائف” التي لا تجد سنداً حقيقياً في جوهر الأديان لِبُعدها الأصيل عن الأيديولوجيا التنازعية، ولا في الأعراق لعدم وجود أعراق نقية، ولا في الحضارات التي هي نتاج تمازج تراكمي للمكتسبات البشرية. بل يكمن هذا العنف حصراً في أذهان مُسيّسي الدين ومُحتكري الحقيقة المطلقة، الذين حوّلوا الإنسان إلى قربان في مسار عنف معولم يكتسح الوجود الإنساني؛ مما يجعل تفكيك الخطاب الراديكالي وإعلاء كرامة الإنسان أولوية وجودية لا تحتمل التأجيل.
