في أغسطس 2025، شهد العالم حملة إعلامية غير مسبوقة من قبل الحكومة الإسرائيلية، حيث استعانت بمجموعة من المؤثرين لنقل صورة محددة عن الأوضاع في قطاع غزة. جاء ذلك في وقت كانت فيه الانتقادات الدولية تتصاعد بشأن سياسات إسرائيل تجاه القطاع، خاصة بعد فرضها حصاراً شاملاً دام أكثر من 11 أسبوعاً، مما أدى إلى أزمة إنسانية حادة. المؤثرون، مثل ديفيد مايوفيس، نشروا مقاطع فيديو تظهر مخازن مليئة بالمواد الغذائية عند معبر رفح، مدعين أن إسرائيل لا تمنع وصول المساعدات الإنسانية، بل أن الأمم المتحدة هي المسؤولة عن تأخير توزيعها.
لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيداً. بين مارس ومايو 2025، فرضت إسرائيل حصاراً كاملاً على دخول المواد الغذائية إلى غزة، مما دفع منظمات حقوق الإنسان إلى وصف ذلك بأنه استخدام “الجوع كسلاح حرب”. وفي منتصف أغسطس، أكدت مبادرة التصنيف المتكامل للأمن الغذائي (IPC) وجود مجاعة في شمال القطاع، وهي أول مرة يتم فيها تسجيل مثل هذا الوضع في المنطقة. ومع ذلك، استمرت إسرائيل في نشر محتوى دعائي عبر منصاتها الرسمية، بما في ذلك مقاطع فيديو على قناة وزارة الخارجية الإسرائيلية على يوتيوب، تظهر مطاعم ممتلئة وأشخاصاً يتناولون الطعام بوفرة، في محاولة لتفنيد التقارير الدولية.
لم تقتصر الحملة على وسائل التواصل الاجتماعي فقط، بل امتدت إلى استثمارات ضخمة في الإعلانات الرقمية. وفقاً لتحقيق أجرته هيئة الإذاعة البافارية، أنفقت الحكومة الإسرائيلية ما يقارب 40 مليون يورو على إعلانات عبر منصات مثل جوجل ويوتيوب، بالإضافة إلى أكثر من 4 ملايين يورو على منصات أخرى مثل X وOutbrain. هذه الإعلانات كانت تهدف إلى التشكيك في مصداقية تقارير IPC، حيث تم توجيه المستخدمين إلى صفحات حكومية تدعي أن البيانات التي استندت إليها التقارير الدولية كانت غير دقيقة.
هذه الاستراتيجية الإعلامية أثارت جدلاً واسعاً حول أخلاقيات استخدام الدعاية في سياقات إنسانية حساسة. بينما تسعى إسرائيل لتقديم نفسها كطرف ملتزم بتوفير المساعدات، تشير الوقائع إلى أن الحملة كانت تهدف إلى إعادة تشكيل الرواية العالمية لصالحها، مما يسلط الضوء على الدور المتزايد للإعلام الرقمي في النزاعات السياسية.